أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

294

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي « 1 » قرئ أمرا ومضارعا « 2 » ، وقد بينّا ذلك في غير هذا . والشدّ يستعمل في العقد وفي البدن وفي قوى النّفس . قوله تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى « 3 » يعني به جبريل عليه السّلام . وذلك أنه قلب سبع مدائن ؛ حملها على ريشة من ريشه . قوله تعالى : وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ « 4 » أي امنعها من الصرف والفهم عقوبة لهم حيث تعاموا بعد ما أبصروا ، وضلّوا بعدما تبيّن لهم طريق الهدى . قوله : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ « 5 » أي لبخيل ؛ والخير : المال . ومنه : إِنْ تَرَكَ خَيْراً « 6 » فسّر بالمال ، وقد تقدّم . والمتشدّد أيضا : البخيل ، ومنه قول طرفة « 7 » : [ من الطويل ] أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدّد وقيل : المعنى : وإنه لشديد حبّ الخير ، أي حبّه شديد . وهو تفسير معنى قوله : وَشَدَدْنا مُلْكَهُ « 8 » أي قوّيناه . قيل : إنه تداعى إليه رجلان فأوحي إليه بقتل أحدهما . فقال الرجل : لم أجن جناية تقتضي قتلي ! فقال : بذلك أمرت . فقال الرجل : أما إني لم أقتل بهذه ، بل لأني قتلت أباه غيلة ، فهيب من حينئذ . وقيل : كان يحرس محرابه ثلاثون ألف مسلّح ، وكلّ ذلك بتقوية اللّه تعالى . وقال الراغب « 9 » في قوله تعالى : لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ : إنّ شديدا يجوز فيه أن يكون بمعنى مفعول ، كأنه شدّ كما يقال : غلّ عن الانفصال . وعلى هذا قالت اليهود : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ « 10 » . ويجوز أن يكون

--> ( 1 ) 31 / طه : 20 . ( 2 ) قرئ « أشدد » بضم الألف . وقرأ ابن عامر والحسن « أشدد » ( معاني القرآن للفراء : 2 / 178 ) . ( 3 ) 5 / النجم : 53 . ( 4 ) 88 / يونس : 10 . ( 5 ) 8 / العاديات : 100 . ( 6 ) 180 / البقرة : 2 ، وانظر مادة : خ ي ر . ( 7 ) ديوانه : 45 . الاعتيام : الاختيار . الفاحش : البخيل . ( 8 ) 20 / ص : 38 . والآية وأوجه تفسيرها عن النبي داود ( 4 ) . ( 9 ) المفردات : 256 . ( 10 ) 64 / المائدة : 5 .